مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
48
رجالات التقريب
البشرية مالم يتوفر لغيره ولذلك سمى نفسه دين الفطرة ، وعرف له ذلك خصومه اليوم ، وعدوه المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية » « 1 » . 5 - وخامس هذه الأصول هو العقلانية المؤمنة تلك التي تميزت بإعلاء مقام العقل ، على حين وقف أهل الجمود والتقليد عند ظواهر النصوص ، وتنكروا لنعمة العقل التي ميز اللّه بها الإنسان على سائر المخلوقات . كما تميزت هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة عن العقلانية اليونانية ، التي خلت من النقل والوحي والإيمان الديني . . وعن العقلانية الوضعية للنهضة الأوربية الحديثة ، التي جاءت - بسبب ثورتها على الكهانة الكنسية - نقضا للدين واللاهوت ، وإنكارا للغيب والإيمان الديني . . فكانت العقلانية الإسلامية المؤمنة ضرورة دينية للإيمان باللّه وصفاته ولفقه الدين ، وحيا ونبوة ورسالة . . ومناطا للتكليف بأوامر الدين ونواهيه ، وسبيلا عقليا لإبلاغ دعوته . . وإقامة حجته . . وإزالة الشبهات عن أصوله ومقاصده . . وذلك فضلا عن كونها شكرا للّه ( سبحانه وتعالى ) الذي أنعم بنعمة العقل على الإنسان . . إذ بدون التمتع بهذه النعمة لا يمكن للإنسان أن يعرف قدرها ، كي يشكر اللّه عليها . ولذلك شاعت في أدبيات هذه المدرسة الإحيائية أحاديث إعلاء الإسلام مقام العقل . . « فالعقل هو جوهر إنسانية الإنسان ، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة . . وهو ينبوع اليقين في الإيمان بالله ، وعلمه ، وقدرته ، والتصديق بالرسالة . . أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب ، كأحوال الآخرة ، والعبادات » « 2 » . فهذه العقلانية الإسلامية المؤمنة قد آخت بين العقل والنقل ، وبين الحكمة والشريعة ، على النحو الذي صوره أجمل تصوير حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ( 450 - 505 ه - / 1058 - 1111 م ) عندما قال : « إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول ، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد ، واتباع الظواهر ، ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر . وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر ، فميل أولئك إلى التفريط ، وميل هؤلاء إلى الإفراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط . . فمثال العقل : البصر السليم عن الآفات والآذاء ، ومثال القرآن : الشمس المنتشرة الضياء ، فأخلق بأن يكون طالب الاهتداء المستغني إذا استغنى بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء . فالمعرض عن العقل ، مكتفيا بنور القرآن ، مثال : المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان ،
--> ( 1 ) - المصدر السابق . ج 3 ، ص 242 . ( 2 ) - المصدر السابق . ج 5 ، ص 428 ، 325 .